ابن عجيبة
255
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : يقول الحق جل جلاله : لا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ، ولكن اجعلوه عرضة لتعظيم قلوبكم ومشاهدة لأسراركم ، فإني ما أظهرت اسمى لتبتذلوه في الأيمان والجدال ، وإنما أظهرت اسمى لتتلقّوه بالتعظيم والإجلال ، فمن عظّم اسمى فقد عظم ذاتي ، ومن عظم ذاتي جعلته عظيما في أرضى وعند أهل سمواتى ، وجعلته برا تقيا ، من أهل محبتي وودادي ، وداعيا يدعو إلى معرفتي ، ويصلح بيني وبين عبادي ، فمن حلمى ورأفتي : أنى لا أؤاخذ بما يجرى على اللسان ، وإنما أؤاخذ بما يقصده الجنان . تنبيه : كثرة الحلف مذموم يدل على الخفة والطيش ، وعدم الحلف بالكلية تعسف ، وخير الأمور أوسطها ، كان عليه الصلاة والسلام يحلف في بعض أحيانه ، يقول : « لا ومقلّب القلوب » ، : « والّذى نفس محمّد بيده » . واللّه تعالى أعلم . ثم أشار الحق تعالى إلى حكم الإيلاء ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 226 إلى 227 ] لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 226 ) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 227 ) قلت : ( الإيلاء ) : يمين زوج مكلّف على عدم وطء زوجته ، أكثر من أربعة أشهر . وآلى : بمعنى حلف ، يتعدى بعلى ، ولكن لما ضمّن هنا معنى البعد من المرأة ، عدّى بمن ، و ( تربص ) : مبتدأ ، و « للذين يؤلون » : خبر . يقول الحق جل جلاله : لِلَّذِينَ يبعدون مِنْ نِسائِهِمْ ويحلفون ألّا يجامعوهن أكثر من أربعة أشهر ، غضبا وقصدا للإضرار ، تَرَبُّصُ أي : تمهل أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، لا يطالب فيهن بفيئة ولا حنث ، فَإِنْ فاؤُ أي : رجعوا عما حلفوا عليه ، وحنثوا وكفّروا أيمانهم ، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما قصدوا من الإضرار ، بالفيئة التي هي كالتوبة ، رَحِيمٌ بهم ؛ حيث لم يعاجلهم بالعقوبة ، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي : صمموا عليه ، ولم يرجعوا عما حلفوا عليه ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لطلاقهم ، عَلِيمٌ بقصدهم ونيتهم . ومذهب مالك والشافعي : أن القاضي يوقفه : إما أن يرجع بالوطء إن قدر ، أو بالوعد إن عجز ، أو يطلّق عليه طلقة رجعية ، عند مالك . ومذهب أبي حنيفة : أنها تبين بمجرد مضى أربعة أشهر . وأحكام الإيلاء مقررة في كتب الفقه . الإشارة : لا ينبغي للعبد أن يصرف عمره كله في معاداة نفسه ومجانبتها ، إذ المقصود هو الاشتغال بمحبة الحبيب ، لا الاشتغال بعداوة العدو ، فلمجاهدة نفسه ومجانبتها حد معلوم ووقت مخصوص ، وهو ما دامت جموحة